فصل: الحديث الخَامِس عشر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّانِي عشر:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْطى السُّدس ثَلَاث جَدَّاتٍ: جَدَّتَيْن مِنْ قِبَلِ الْأَب، وَوَاحِدَة مِنْ قبل الأُمِّ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن يزِيد مُرْسلا.
وَرَوَاهُ هُوَ، وَأَبُو دَاوُد فِي مراسيله، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: «أطْعَمَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث جدَّاتٍ سُدُسًا. قلت لإِبْرَاهِيم: مَا هُنَّ؟ قَالَ: جدتاك من قبل أَبِيك، وجَدَّة من قبل أُمك».
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا، وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا من رِوَايَة الحَسَن: «أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ ورَّث ثَلَاث جَدَّاتٍ»
وَهَذَا أَيْضا مُرْسل، قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَفِيه تَأْكِيد للمرسل الثَّانِي وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة. ثمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن نصر قَالَ: جَاءَت الْأَخْبَار عَن الصَّحَابَة وَعَن جمَاعَة من التَّابِعين أَنهم ورَّثوا ثَلَاث جَدَّاتٍ، مَعَ الحَدِيث الْمُنْقَطع الَّذِي رُوي عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «أَنه ورَّث ثَلَاث جَدَّاتٍ» وَلَا نعلم عَن أحد من الصَّحَابَة خلاف ذَلِك، إِلَّا مَا روينَا عَن سَعْد بن أبي وَقاص أَنه قَالَ لِابْنِ مَسْعُود: «أَنْتُم الَّذين تَفْرِضُون لثلاث جدَّاتٍ؟!، كَأَنَّهُ يُنكر ذَلِك» مِمَّا لَا يثبت أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ إِسْنَاده.

.الحديث الثَّالِث عشر:

«أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار أتَتِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهَا ابنتان، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، هَاتَانِ ابنتا سَعْد بن الرّبيع، قُتِلَ أَبوهُمَا مَعَك يَوْم أُحُد، وَأخذ عَمُّهُمَا مَالَهُ، واللَّهِ لَا تُنْكَحَان وَلَا مَال لَهما، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: يقْضِي الله تَعَالَى فِي ذَلِك. فَنزل قَوْله تَعَالَى: {فَإِن كُنَّ نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثلثا مَا ترك}، فَدَعَا النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَرْأَة وعَمَّهُمَا، فَقَالَ: أعْطِ البنتين الثُّلُثَيْنِ، والمرأةَ الثُّمُن، وخُذِ الْبَاقِي».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن جَابر قَالَ: «جَاءَت امرأةُ سَعْدِ بْنِ الرّبيع بابنتيها من سَعْدِ...» الحَدِيث بِطُولِهِ.
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَذكر ذَلِك فِي موضِعين من كتاب الْفَرَائِض، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل. وَنقل عبد الْحق: أَن التِّرْمِذِيّ صَححهُ، ورأيتُه فِي النّسخ الْمُعْتَمدَة مَضْرُوبا عَلَى ذَلِك.
تَنْبِيه: فِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «جاءتِ امرأةٌ بابنتين، فَقَالَت: يَا رَسُول الله: هَاتَانِ بِنْتا ثابتِ بْن قيس....» الحديثَ، وَهِي خطأ، قَالَ أَبُو دَاوُد: أَخطَأ فِيهِ بشر؛ هما ابنتا سَعْدِ بن الرّبيع. ثمَّ رَوَاهُ كَرِوَايَة الْجَمَاعَة، ثمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْأَصَح. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ: قيل: إِن الرِّوَايَة غلط؛ لِأَن ثَابت بن قيس بَقِي بعد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَتَّى شهد الْيَمَامَة فِي عهد أبي بكر.

.الحديث الرَّابِع عشر:

عَن هزيل- بالزاي- بن شُرَحْبِيل قَالَ: «سُئل أَبُو مُوسَى عَن بِنْتٍ وبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْت، فَقَالَ: للْبِنْت النّصْف، وَللْأُخْت النّصْف، وائت ابْنَ مَسْعُود، فسيتابعني. فَسَأَلَ ابْنَ مَسْعُود، وَأخْبر بقَوْل أبي مُوسَى، فَقَالَ: لقد ضللتُ إِذن وَمَا أَنا من المهتدين، لأقضِيَنَّ فِيهَا بِمَا قَضَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: للابنة النّصْف، ولابنة الابْن السُّدس تَكْمِلَة الثُّلثَيْنِ وَمَا بَقِي فللأخت. فأتينا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرنَاهُ بقول ابْنِ مَسْعُود، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الحَبْر فِيكُم».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه هَكَذَا، من حَدِيث أَبَى قيس عبد الرَّحْمَن بن ثروان، عَن هُزَيْل بِهِ.
وَعبد الرَّحْمَن هَذَا وَإِن تكلَّم فِيهِ أَحْمد فَقَالَ: يُخَالف في أَحَادِيث. وَأَبُو حَاتِم فَقَالَ: لَيِّن. وَقد احْتج بِهِ خَ وصحّح لَهُ ت.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وَقَالُوا: «جَاءَ رجل إِلَى أبي مُوسَى وسلمان بن ربيعَة؛ فَسَأَلَهُمَا عَن ابْنة وَابْنَة ابْن وأُخْت لأَب وأُمّ....» وَذكروا نَحوه.
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ.
فَائِدَة: هُزَيل: بِضَم الْهَاء، وَفتح الزَّاي الْمُعْجَمَة، وَقد صحَّفه الْفُقَهَاء بهُذَيْل بِالذَّالِ؛ فاجتنبه؛ وَلِهَذَا قيَّده الرَّافِعِيّ فِي مَتْن الرِّوَايَة بالزاي كَمَا سلف، حَذَرًا مِنْ هَذَا، قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه: هُوَ بالزاي، بِاتِّفَاق كلِّ الْعلمَاء مِنْ كل الطوائف.
قلت: وَهُوَ كُوفِي تابعيّ، وَكَانَ أَعْمَى. وشُرَحبيل: بِفَتْح الرَّاء، وَعَن ابْن البرزي إسْكانُها، وَهُوَ غَرِيب، وشرحبيل عجمي لَا ينْصَرف، قَالَ القَاضِي حُسَيْن: والحبر: الْفَقِيه: وَيُقَال: بِفَتْح الْحَاء وكَسْرها. وَالْمرَاد بالْقَضَاء: الفُتْيا لَا الْإِلْزَام؛ فَإِنَّهُ لم يكن حَاكما، وَكَذَا قيل.

.الحديث الخَامِس عشر:

اشْتهر عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: «ألْحِقُوا الْفَرَائِض بأهْلها، فَمَا تركتْ الْفَرَائِض فَلأَوْلَى عصبَة ذَكَر».
وَقد فسر الأولَى بالأقرب. هَذَا الحَدِيث تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ قَرِيبا، وَهُوَ الحَدِيث الثَّامِن من أَحَادِيث الْبَاب، وَمَا نسب الرافعيُّ فِي دَعْوَاهُ اشتهاره بِهَذِهِ اللَّفْظَة، وَهِي «عصبَة» فراجِعْهُ.

.الحديث السَّادِس عشر:

عَن عليٍّ- كرَّم الله وَجهه- أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أَعْيَان بني الأُمِّ يتوارثون دون بني العلات؛ يَرث الرجل أَخَاهُ لِأَبِيهِ وأُمِّه، دون أَخِيه لِأَبِيهِ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه وَابْن مَاجَه فِي سنَنه من رِوَايَة الْحَارِث عَن عليٍّ أَنه قَالَ: «إِنَّكُم تقرءون هَذِه الْآيَة: من بعد وصيةٍ توصون بهَا أَو دَيْنٍ فَإِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَضَى بالدَّيْن قبل الْوَصِيَّة، وَأَن أَعْيَان بني الْأُم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يَرث أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأمه دون أَخِيه لِأَبِيهِ».
هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ، وَفِي لفظ لَهُ؛ عَن الْحَارِث عَن عليٍّ قَالَ: «قَضَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أَعْيَان بني الأُمّ يتوارثون دون بني العلات».
وَلَفظ ابْن مَاجَه؛ عَن الْحَارِث عَن عَلّي قَالَ: «قَضَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بالدَّيْن قَبْل الْوَصِيَّة، وَأَنْتُم تقرءونها من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دَيْن، وَإِن أَعْيَان بني الأُمِّ يتوارثون دون بني العلات».
وَفِي لفظ لَهُ: «قَضَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أَعْيَان بني الأُمِّ يتوارثون دون بني العلات، يَرث الرجل أَخَاهُ لِأَبِيهِ وأُمِّه دون أَخِيه لِأَبِيهِ».
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن عليّ، قَالَ: وَقد تكلم بعض أهل الْعلم فِي الحَدِيث، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد عَامَّة أهل الْعلم.
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ التِّرْمِذِيّ الأوَّل، ثمَّ قَالَ فِي آخِره: «وَالإِخْوَة من الْأَب والأُمّ أقربُ من الْإِخْوَة من الْأَب». ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث رَوَاهُ النَّاس عَن أبي إِسْحَاق والحارِثِ بْنِ عبد الله، ولأجْلِهِمَا لم يخرِّجه الشَّيْخَانِ. قَالَ: وَقد صَحَّ الْفَتْوَى بِهِ عَن زيد بن ثَابت. ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ.
قلت: قَالَ: «قَضَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بالدَّيْن قبل الْوَصِيَّة، وَأَن الْإِخْوَة من الْأَب وَالأُم يتوارثون دون الْإِخْوَة من الْأَب».
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نُعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ عبد الله بن بدر، عَن ابْن عُمر- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما-.
فَائِدَة: بَنو الْأَعْيَان: سموا بذلك لأَنهم من عين وَاحِدَة، أَي: من أَب وأُمِّ وَاحِدَة. قَالَه الماورديّ، وسُمُّوا بَنو العلات؛ لِأَن أُمَّ كلِّ واحدٍ لم تُعِل الآخر، أَي: لم تسقه لبَنَ رضاعها، والعَلَلُ: الشُّرْب الثَّانِي، والنَّهَل: الأول.
قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: وَبَنُو الأخياف: الَّذين أُمُّهُمْ وَاحِدَة وآباؤهم مُخْتَلفُونَ، قَالَ الماورديّ: والأخياف: الأخلاط وَلذَلِك سمي الْخيف من منى؛ لِاجْتِمَاع أخلاط النَّاس فِيهِ، وَقيل: لاختلاط الألوان فِيهِ.

.الحديث السَّابِع عشر:

رُوِيَ «أَن رجلا أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم برجلٍ فَقَالَ: إِنِّي اشتريتُه وأعتقته؛ فَمَا أمْر مِيرَاثه؟ قَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن ترك عصبَة فالعصبة أَحَق، وَإِلَّا فَالْولَاء لَك».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أَشْعَث بن سوار عَن الْحسن: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى البقيع؛ فَرَأَى رجلا يُبَاع، فَسَوم بِهِ، ثمَّ تَركه، فَاشْتَرَاهُ رجلٌ فَأعْتقهُ، ثمَّ أَتَى بِهِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي اشتريتُ هَذَا فَأعْتقهُ؛ فَمَا ترَى فِيهِ؟ قَالَ: أَخُوك ومولاك. قَالَ: مَا ترَى فِي صُحْبته؟ قَالَ: إِن شكرك فَهُوَ خيرٌ لَهُ وشرٌ لَك، وَإِن كفرك فَهُوَ خيرٌ لَك وشرٌ لَهُ. قَالَ: فَمَا ترَى فِي مَاله؟ قَالَ: إنْ مَاتَ وَلم يَدَعْ وَارِثا فَلَكَ مَاله».
وَهَذَا مُرْسل كَمَا ترَى، وَأَشْعَث صالحُ الحَدِيث وثَّقه جمَاعَة، وَأخرج لَهُ م مُتَابعَة، وَلم يُعله البيهقيُّ بِغَيْر الْإِرْسَال، وَله متابع رَوَاهُ عبد الرزَّاق من حَدِيث عَمرو بن عبيد، عَن الْحسن: «أَن رجلا أَرَادَ أَن يَشْتَرِي عبدا....» فذكرَ الحديثَ، وَفِيه: أَن الرجل سَأَلَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مِيرَاثه، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ: «إِن لم يكن لَهُ عصبَة فَهُوَ لَك» وعَمرو هَذَا رَأس الاعتزال، وَقد تَرَكُوهُ.

.الحديث الثَّامِن عشر:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِنَّمَا الْوَلَاء لِمنْ أعْتَقَ».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف فِي بَاب الْبيُوع الْمنْهِي عَنْهَا.

.الحديث التَّاسِع عشر:

عَن أُسَامَة بن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا يرثُ المسلمُ الكافرَ، وَلَا الكافرُ المسلمَ».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك، وَكَذَا بَاقِي الْكتب السِّتَّة د ت ق س ووَهِمَ ابْنُ تَيْمِية فِي المُنْتَقَى فادَّعَى، أَن مُسلما لم يروه، وَهُوَ عَجِيب؛ فَهُوَ فِيهِ فِي هَذَا الْبَاب، وَكَذَا ابْنُ الْأَثِير فِي جَامعه لِلْأُصُولِ، فادّعى أَن النَّسَائِيّ لم يخرّجه، وَهُوَ عجيبٌ مِنْهُ، فَهُوَ فِيهِ فِي هَذَا الْبَاب، وَقد عزاهُ أَيْضا الْمزي فِي أَطْرَافه إِلَى الْكتب السِّتَّة كَمَا أسلفناه، والبيهقيُّ فِي سنَنه إِلَى خَ م وَكَذَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد فليتنبه لذَلِك.

.الحديث العشْرُونَ:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا يتوارث أهلُ مِلَّتَيْن شَتَّى».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ كلِّه النسائيُّ من رِوَايَة يَعْقُوب بن عَطاء وعَامر الْأَحول وَغَيرهمَا، عَن عَمرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جَدِّه مَرْفُوعا، ثمَّ قَالَ: يَعْقُوب وعامر ليسَا بالقويَّين فِي الحَدِيث.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، عَن حَمَّاد، عَن حبيب الْمعلم، عَن عَمرو، قَالَ: عَن أَبِيه عَن جدِّه عبد الله بن عَمرو، وَهَذَا إِسْنَاد جيد إِلَى عَمرو، لَا جرم قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي كتاب الْفَرَائِض لَهُ: هَذَا الْإِسْنَاد لَا مطْعن فِيهِ عِنْد أحدٍ مِنْ أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ. لَكِن خَالف أَبُو عُمر نَفْسَه فِي هَذِه؛ فَضَعَّفه فِي تمهيده وَأما الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فَذكره فِي الْإِلْمَام.
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن سُفْيَان عَن يَعْقُوب بِهِ سَوَاء، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث: الْحسن بن صَالح، عَن مُحَمَّد بن سعيد، عَن عَمرو بن شُعَيْب قَالَ: أَخْبرنِي أبي، عَن جَدِّي «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَ يَوْم فتح مَكَّة، فَقَالَ: لَا يتوارث أهلُ مِلَّتَيْن».
ثمَّ قَالَ: مُحَمَّد بن سعيد الطَّائِفِي ثِقَة. وَوهم ابْن الْجَوْزِيّ فِي إعلاله هَذَا الحَدِيث، حَيْثُ قَالَ فِي تَحْقِيقه بعد كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا: الْحسن بن صَالح مَجْرُوح، قَالَ ابْنُ حبَان: ينْفَرد عَن الثِّقَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات.
هَذَا كَلَامه، وَالْحسن بن صَالح هَذَا هُوَ ابْنُ حَيّ، وَهُوَ من الثِّقَات الْحفاظ المخرَّج لَهُم فِي الصَّحِيح وَلم يتَكَلَّم فِيهِ ابْن حبَان، وَكَلَامه هَذَا الَّذِي ذكره ابْن الْجَوْزِيّ إِنَّمَا هُوَ فِي آخر مجهولٍ مُخْتَلف فِي نسبه، يروي عَن ثَابت عَن النَّضر، وَيُقَال لَهُ: العجليّ، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الضُّعَفَاء وَحَكَى كلامَ ابْن حبَان فِيهِ، ثمَّ قَالَ: وَالْحسن بن صَالح عشرَة لَيْسَ فيهم مطعون فِيهِ غَيره.
وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه بالسند الْمَذْكُور، لكنْ قَالَ: عَن الْحسن بن صَالح عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى عَن عُمر بن سعيد بدل مُحَمَّد بن سعيد.
وَوَقع فِي أَطْرَاف ابْن عَسَاكِر: عَمرو بن سعيد، وَهُوَ وهم كَمَا نبَّه عَلَيْهِ الْمزي، وفرَّق فِي تهذيبه بَين رَاوِي هَذَا الحَدِيث عَن عمر وَبَين مُحَمَّد بن سعيد الطَّائِفِي، وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه الطَّائِفِي كَمَا سلف، وَقَالَ الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن دَاوُد الظَّاهِرِيّ: هَذَا خبر ضَعِيف عندنَا.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق آخر إِلَى عَمرو بن شُعَيْب؛ رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن رمح، عَن ابْن لَهِيعَة، عَن خَالِد بن يزِيد، عَن الْمثنى بن الصَّباح، عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جدِّه مَرْفُوعا: «لَا يتوارث أهلُ مِلَّتَيْن».
وَابْن لَهِيعَة قد علمت حَاله فِيمَا مَضَى، والمثنى ضَعَّفُوهُ.
قلت: وَله شَاهد من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: «لَا يتوارث أهلُ مِلَّتَيْن».
رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه فِي جملَة حديثٍ طَوِيل.
وَمن حَدِيث جَابر مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن أبي الزبير عَنهُ بِهِ.
ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه فِي حَدِيث جَابر إِلَّا من حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى.
قلت: وَهُوَ صَدُوق سَاءَ حفْظه، وَفِيه عنعنة أبي الزبير أَيْضا.
وَمن حَدِيث أُسَامَة بن زيد مَرْفُوعا: «لَا يتوارث أهلُ مِلَّتَيْنِ».
رَوَاهُ النَّسَائِيّ في سنَنه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد. ووَهِمَ عبد الْحق فِي الْأَحْكَام الْوُسْطَى فَعَزَاهُ إِلَى مُسلم، وَهُوَ وهْمٌ لَا جرم، تعقبه ابْنُ الْقطَّان، وَقد عزاهُ فِي أَحْكَامه الْكُبْرَى إِلَى النَّسَائِيّ فَأصَاب.
قلت: فَالْحَدِيث قويّ إِذن بشواهده، وَإِن كَانَ فِي بَعْضهَا ضَعْف فينجبر الآخر لَا جرم، قَالَ ابْن الصّلاح: لَهُ مرتبَة الحَدِيث الْحسن.
قلت: وَذكره ابْن السكن فِي صحاحه من حَدِيث عَمرو بن شُعَيْب أَيْضا، ولمَّا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي معرفَة السّنَن والْآثَار من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ السالف قَالَ: مَنْ يَقُول بِأَحَادِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جَدِّه عبد الله بن عَمرو عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لزمَه أَن يَقُول بِهَذَا.
قلت: قد صرّح فِي هَذَا بِأَن المُرَاد بجَدِّه هُوَ الصحابيُّ، كَمَا سلف عَن رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ؛ فارتفع الْخلاف السائر فِيهِ.
وَقَالَ بعد ذَلِك فِي بَاب مِيرَاث الْمُرْتَد: رِوَايَة مَنْ رَوَى فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ يَعْنِي حَدِيث سُفْيَان عَنهُ، عَن عليّ بن الْحُسَيْن، عَن عَمرو بن عُثْمَان، عَن أُسَامَة رَفَعَهُ: «لَا يرثُ الْمُسلم الكافرَ، وَلَا الكافرُ المسلمَ، لَا يتوارث أهلُ مِلَّتَيْنِ».
غير مَحْفُوظ، وَرِوَايَة الْحفاظ مثل حَدِيث ابْن عُيَيْنَة، وَإِنَّمَا يُرْوى هَذَا فِي حَدِيث عَمرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جدِّه، وَقد رُوِيَ فِي حَدِيث عَمْرو اللفظان جَمِيعًا فِي حَدِيث واحدٍ، فَمَن ادَّعى كَون قَوْله: «لَا يتوارث أهل ملتين» هُوَ الأَصْل، وَمَا رَوَيْنَاهُ مَنْقُولًا عَلَى الْمَعْنى فَلِسُوء مَعْرفَته بِالْأَسَانِيدِ، أَو لميله إِلَى الْهَوَى، فرواة مَا ذَكرْنَاهُ حفَّاظُ أثبات، وَقد اخْتلف أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ فِي رِوَايَات عَمرو بن شُعَيْب إِذا لم يَنْضَم إِلَيْهَا مَا يؤكده، وَانْفَرَدَ مَنْ رَوَاهُ فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ بروايته، وَرِوَايَة الحفَّاظ بِخِلَاف رِوَايَته، قَالَ: وَأما رِوَايَة هشيم عَن الزُّهْرِيّ فِي ذَلِك، فقد حكم الحفَّاظُ بِكَوْنِهَا غَلطا، وَبِأَن هشيمًا لم يسمعهُ من الزُّهْرِيّ، فروايته عَنهُ مُنْقَطِعَة. ثمَّ سَاقه من حَدِيث عليّ بن الْمَدِينِيّ، عَن هشيم بن بشير، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عَمرو بن عُثْمَان، عَن أُسَامَة رَفَعَه: «لَا يتوارث أهل ملتين».
قَالَ عليٌّ: فذكرتُ ذَلِك لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَقَالَ: لم يُحْفظ قَالَ عليٌّ: فَنَظَرْنَا فَإِذا هشيم. لم يسمع هَذَا الحَدِيث من الزُّهْرِيّ.
قلت: فَحِينَئِذٍ تَصْحِيح الْحَاكِم لَهُ كَمَا سلف غير جيد.
قَالَ الرافعيُّ: ورُوي فِي بعض الرِّوَايَات: «لَا يتوارث أهل ملتين، لَا يَرث المسلمَ الكافرُ» قَالَ: فَجعل الثَّانِي بَيَانا للْأولِ، فَدلَّ عَلَى أَن المُرَاد بالملتين: الْإِسْلَام وَالْكفْر.
قلت: الَّذِي رأيتُه فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَمرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جدِّه مَرْفُوعا: «لَا يَرث المسلمُ الكافرَ، وَلَا الكافرُ المسلمَ، وَلَا يتوارثون أهل ملتين».
وَفِي إسنادها الْخَلِيل بن مُرَّة الضَّبْعِىّ، وَهُوَ واهٍ، كَمَا سلف حَاله فِي بَاب الْوضُوء، فِي الْكَلَام عَلَى السِّوَاك، وَقد أسلفنا كلامَ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَيْضا..

.الحديث الحَادِي بعد الْعشْرين:

عَن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَيْسَ للْقَاتِل مِيرَاث».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، مِن رِوَايَة عَمرو بن شُعَيْب عَن عُمر مَرْفُوعا، ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث خطأ.
قلت: وَهُوَ مُنْقَطع؛ فَإِن عَمروَ بْنَ شُعَيْب لم يسمع مِنْ عُمر، ولمَّا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة مِنْ هَذَا الْوَجْه قَالَ: هَذَا مُرْسل.
وَقد رَوَاهُ مُحَمَّد بن رَاشد، عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى، عَن عَمرو بْنِ شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جدِّه مَرْفُوعا.
قَالَ: وَرَوَاهُ أَيْضا غيرُه عَن عَمرو بْنِ شُعَيْب.

.الحديث الثَّانِي بعد الْعشْرين:

عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا يَرث القاتلُ شَيْئا».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه كَذَلِك، وَفِي إِسْنَاده لَيْث بن أبي سليم، وَقد ضعفه الْجُمْهُور، وأَبُو حمة لَا يُعْرف حَاله كَمَا قَالَ ابْن الْقطَّان.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق آخر إِلَى ابْنِ عباسٍ، وستعلمه عَلَى الإثر.

.الحديث الثَّالِث بعد الْعشْرين:

قَالَ: ويُروى «مَنْ قَتَلَ قَتِيلا فَإِنَّهُ لَا يَرِثهُ وَإِن لم يكن لَهُ وَارِث غَيره».
هَذَا الحَدِيث يُرْوى من طَرِيق ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَهُوَ الطَّرِيق الَّذِي أَشَرنَا إِلَيْهِ أَيْضا.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن رجل- قَالَ عبد الرَّزَّاق: وَهُوَ عَمرو بن برق- عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ فَذكره بِزِيَادَة: «وَإِن كَانَ وَالِده أَو وَلَده؛ فَإِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَضَى لَيْسَ لقَاتل مِيرَاث».
وعَمرو هَذَا هُوَ ابْن عبد الله الصَّنْعَانِيّ أَبُو الأسوار، وَيُقَال: عَمرو بنُ برق. قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بالقويّ.

.الحديث الرَّابِع بعد الْعشْرين:

عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الْقَاتِل لَا يَرث».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه وَالتِّرْمِذِيّ فِي جامعه ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، وَلَا يُعرف هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه، وَإِسْحَاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة- يَعْنِي الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده- قد تَركه بعض أهل الْعلم، مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل.
قلت: بل تَرَكُوهُ كَمَا قَالَ البُخَارِيّ، قَالَ يَحْيَى بن معِين: رِجَاله كلهم ثِقَات إِلَّا إِسْحَاق. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْحَاق لَا يُحْتج بِهِ، إِلَّا أَن لَهُ شَوَاهِد تقويه.
وَرَوَى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الزُّهْرِيّ: أَنه سمع إِسْحَاق بن أبي فَرْوَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ فَقَالَ الزُّهْرِيّ: إِنَّه ثَنَا ابْنُ أَبَى فَرْوَة بِأَحَادِيث لَيْسَ لَهَا خِطَم وَلَا أزمة.
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه.

.وَأما آثاره فكثيرة:

.أَولهَا:

عَن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ: «إِذا تَحَدَّثْتُم فتحدِّثوا فِي الْفَرَائِض، وَإِذا لَهَوْتُم فالهوا بِالرَّمْي».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه.
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا وَإِن كَانَ مَوْقُوفا فَهُوَ صَحِيح الْإِسْنَاد، قَالَ: وَله شَاهد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ؛ فَذكره.

.الْأَثر الثَّانِي:

عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَنه دخل عَلَى عُثْمَان بن عَفَّان؛ فَقَالَ لَهُ محتجًا عَلَيْهِ: كَيفَ تردُّ الأُمَّ إِلَى السُّدس بالأخوين وليسا بإخوة؟ فَقَالَ عُثْمَان: لَا أَسْتَطِيع ردَّ شيءٍ كَانَ قَبْلي وَمَضَى فِي الْبلدَانِ، وتوارث الناسُ بِهِ».
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: وَفِيه شُعْبَة مولَى ابْن عَبَّاس؛ قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بالقويّ.

.الْأَثر الثَّالِث:

رُوي عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: «جاءتٍ الجدَّتان إِلَى أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَأعْطَى أُمَّ الأُمِّ الْمِيرَاث دون أُمِّ الْأَب، فَقَالَ لَهُ بعض الْأَنْصَار: أعطيتَ الَّتِي لَو مَاتَت لم يَرِثهَا، ومنعتَ الَّتِي لَو ماتتْ ورثهَا، فَجعل أَبُو بكر السُّدس بَينهمَا».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَنه قَالَ: «أَتَت الجدَّتان إِلَى أبي بكر الصّديق، فَأَرَادَ أَن يَجْعَل السُّدس للَّتِي من قبل الأُمِّ، فَقَالَ لَهُ رجل من الْأَنْصَار: أَمَا إِنَّك تتْرك الَّتِي لَو مَاتَت وَهُوَ حَيّ كَانَ إِيَّاهَا يَرث. فَجعل أَبُو بكر السُّدس بَينهمَا».
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: «جاءتِ الجدَّتان إِلَى أبي بكر، فَأعْطَى الميراثَ أُمَّ الأُمِّ دون أُمِّ الْأَب، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن سهل بن حَارِثَة- وَقد كَانَ شهد بَدْرًا، وَقَالَ مرّة: رجل من بني حَارِثَة-: يَا أَبَا بكر يَا خليفةَ رسولِ الله: أعطيتَ الَّتِي لَو أَنَّهَا مَاتَت لم يَرِثهَا؛ فَجعله بَينهمَا».
رَوَاهُ أَيْضا من حَدِيثه عَن يَحْيَى، عَن الْقَاسِم: أَن جدَّتَيْن أتتا إِلَى أَبَى بكر الصّديق أُمَّ الْأُم وأُمَّ الْأَب، فَأعْطَى الميراثَ أُمَّ الأُمِّ دون أُمِّ الْأَب، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن سهل أَخُو بنى حَارِثَة: «يَا خَليفَة رَسُول الله: قد أعطيتَ الَّتِي لَو أَنَّهَا ماتَت لم يَرِثهَا، فَجعله أَبُو بكر بَينهمَا- يَعْنِي: السُّدس».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوي هَذَا عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي إسنادٍ مُرْسل. وَهَذَا الْأَثر فِي طريقيه منقطعٌ؛ فَإِن الْقَاسِم لم يدْرك جدَّه؛ لِأَن أَبَاهُ مُحَمَّدًا وُلدَ في حَجَّة الْوَدَاع، وَكَانَ عُمُرُهُ حِين تُوفِّي الصّديق نَحْو ثَلَاث سِنِين، وَذكر الْغلابِي أَن الْقَاسِم لم يدْرك أَبَاهُ أَيْضا.

.الْأَثر الرَّابِع وَالْخَامِس:

قَالَ الرافعيُّ: وَفِي أُمِّ أَب الْأَب، وأُمّ مَنْ فَوْقه من الأجداد وأمهاتهن قَولَانِ للشافعيِّ، وروايتان عَن زيد، أصَحهمَا: أَنَّهُنَّ وارثات.
قلت: رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت، عَن أَبِيه زيد بن ثَابت: «أَنه كَانَ يورِّث ثَلَاث جدَّاتٍ إِذا استوين، ثِنْتَانِ من قبل الْأَب، وَوَاحِدَة مِنْ قبل الْأُم».
وَرَوَى من حَدِيث قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب، عَن زيد بن ثَابت: «أَنه كَانَ يورِّث ثَلَاث جَدَّاتٍ؛ ثِنْتَيْنِ مِنْ قِبَل الأُمِّ، وَوَاحِدَة مِنْ قِبَل الْأَب». كَذَا قَالَ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حميد وَدَاوُد أَن زيد بن ثَابت قَالَ: «ترثُ جدَّاتٍ جدَّتَيْن مِنْ قِبَل الْأَب، وَوَاحِدَة مِنْ قِبَل الأُمِّ».
وَمن حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى عَن الشعبى: «أَن زيد بن ثَابت وعليًّا كَانَا يورثان ثلاثَ جدَّاتٍ. ثِنْتَيْنِ مِنْ قِبَل الْأَب، وَوَاحِدَة من قِبَل الْأُم».

.الْأَثر السَّادِس:

وَكَانَ مِنْ حَقه أَن يقدَّم؛ فَإِن الرَّافِعِيّ ذكره قبل، وَهُوَ مُجَمِّعُ آثارًا-:
«أَن عليَّ بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس تكلمُوا فِي جَمِيع أصُول الْفَرَائِض، وَأَن أَبَا بكر وَعمر ومعاذ بن جبل تكلمُوا فِي معظمها، وَأَن عُثْمَان تكلم فِي مسَائِل مَعْدُودَة».
وَهَذَا مَشْهُور فِي كُتُب الْفَرَائِض، نَقله إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن عُلَمَاء الْفَرَائِض، وَلَا يَحْضُرُني فِي الْكتب الحديثية.